بن عيسى باطاهر

76

المقابلة في القرآن الكريم

الوصف المتقابل كشف طبيعة النفاق ، وجعله من الأسباب المبعدة عن طريق الإيمان ، مع بيان الوحدانية وخصائصها مثل الإيمان باللّه وما يتبعه من مقتضيات حدّدها القرآن الكريم . يقول محمد رشيد رضا في تفسيره : « إنّ نكتة الفرق بين المؤمنين والمنافقين في الوصف المتقابل هنا أن المنافقين لا ولاية بينهم بأخوة تبلغ فضيلة الإيثار ، ولا تناصر يبلغ الإقدام على القتال ، لأنّ النفاق سلوك وذبذبة من لوازمها الجبن والبخل ، وهما الخلقان المانعان من التناصر ببذل النفس والمال ، بل قصاراه التعاون بالكلام وما لا يشق من الأعمال ، وإنّما تكون ولاية التناصر بالقتال لأصحاب العقائد الثابتة ، والملّة الراسخة سواء أكانت حقا أو باطلة . فهذا ما يتعلق بالمقابلة بين المؤمنين والمنافقين في علاقة بعضهم ببعض ، وخلاصته أن المنافقين يشبه بعضهم بعضا في شكّهم وارتيابهم ونفاقهم وآثارهم من قول أو عمل ، وإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض في الولاية العامة من أخوة ومودة وتعاون وتراحم حتى شبّه النبي صلى اللّه عليه وسلّم جماعتهم بالجسد الواحد ، والبنيان يشد بعضه بعضا ، وولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل والملة والوطن ، وإعلاء كلمة اللّه عزّ وجلّ ، وفي آثار ذلك من القول والعمل المضاد لما عليه المنافقون » « 1 » . وهذه الآيات التي اختارت طريقة المقابلة في العرض هدفت إلى كشف النفاق ، وتحديد الوحدانية الخالصة ، وعرض الصورة وما يقابلها من شأنه أن يبرز المعنى ، ويقوي النظم ، ويساهم في البيان والتوصيل . وقال تعالى : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [ التوبة : 44 - 45 ] .

--> ( 1 ) تفسير المنار - ج 10 ص 541 - 542 .